الشنقيطي

423

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وسنذكر هنا طرفا قليلا من ذلك يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص فيه ، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم . اعلم أولا - أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بنفي الفارق بينهما لا يكاد ينكره إلا مكابر ، وهو نوع من القياس الجلي ، ويسميه الشافعي رحمه اللّه « القياس في معنى الأصل » وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس ، مع أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لعدم الفرق بينهما ؛ أعني الفرق المؤثر في الحكم . ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] فإنه لا يشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب المسكوت عنه . وقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة : 7 - 8 ] فإنه لا شك أيضا في أن التصريح بالمؤاخذة بمثال الذرة والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإناثة بمثقال الجبل المسكوت عنه . وقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ [ الطلاق : 2 ] الآية ، لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة وإن كانت شهادة الأربعة مسكوتا عنها . ونهيه صلى اللّه عليه وسلم عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء ، مع أن ذلك مسكوت عنه . وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى [ النساء : 10 ] الآية ؛ لا شك في أنه يدل على منع إحراق مال اليتيم وإغراقه ؛ لأن الجميع إتلاف له بغير حق . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل ، فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه ما عتق » يدل على أن من أعتق شركا له في أمة فحكمه كذلك ؛ لما عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا تأثير لهما في أحكام العتق وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالشهادة والميراث وغيرهما . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان » « 1 » لا شك في أنه يدل على منع قضاء الحكم في كل حال يحصل بها التشويش المانع من استيفاء النظر ؛ كالجوع والعطش المفرطين ، والسرور والحزن المفرطين ، والحقن والحقب المفرطين .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي بكرة : البخاري في الأحكام حديث 7158 ، ومسلم في الأقضية حديث 16 ، وأبو داود في الأقضية حديث 3589 ، والترمذي في الأحكام حديث 1334 ، والنسائي في آداب القضاة ، باب النهي عن أن يقضى في قضاء بقضاءين ، وابن ماجة في الأحكام حديث 2316 .